العالم العربي

قنديل الكاز نافذة أمل في ليل الأزمة السورية

تركت الأزمة التي تشهدها سورية آثاراً سلبية جمة على شتى المجالات الحيوية الهامة التي أثرت بدورها بصورة مباشرة على نمط حياة المواطن، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة بسبب التقنين الحكومي على الطاقة الكهربائية في بعض المناطق ، وانقطاعها أياماً طويلة وربما أسابيع في المدن التي تشهد توتراً أمنياً ومواجهات مسلحة.

دمشق - طه عبد الواحد

هذا الوضع خلق حاجة ملحة لدى المواطن في البحث عن مصدر يُدخل النور من جديد إلى بيوت لم يغادرها الأمل بأن تعود الأمور إلى طبيعتها ليعود معها الضوء المعتاد. وبانتظار تحقيق هذه الآمال اتجه كثيرون إلى اعتماد وسيلة إنارة قديمة- بسيطة كانت في زمن ليس ببعيد وسيلة أو أداة محورية ورئيسية في كل بيت، تبث النور فيه وتُحبَكُ حولها الكثير من الحكايات والذكريات. 

وتتذكر الأجيال التي عاشت طفولتها وشبابها المبكر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في سورية وسيلة الإنارة الرئيسية التي كانت معتمدة في معظم المنازل حينها، إنه "قنديل الكاز" الذي عادت شعلته لتضيء منازل دمشق وغيرها من المدن السورية، لتحمل معها الأجيال إلى أيام خلت كان لقنديل الكاز فيها مفعول سحري يفوق مجرد الإنارة. وجاءت عودة القنديل إلى رفوف المنازل لتدخل هذه المرة بعض الحميمية وبعض الدفء على روح الإنسان السوري المثقل كاهله بالهموم والمخاوف، وكأن قنديل الكاز هذا مثل (فانوس علاء الدين السحري) ترك مفعولاً سحرياً في النفوس بإحيائه ذاكرة جاءت بلسماً لمعاناة ألقت بظلالها على روح المواطن.

في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، عندما بدأت الكهرباء تدخل إلى المنازل السورية تدريجياً، بداية من المناطق الراقية في المدن الكبرى، ومنها إلى الأطراف، وصولاً إلى القرى، كان قنديل الكاز واحدة من وسائل الإنارة المنزلية الرئيسية. حينها لم يكن للكهرباء وما أُنتج من تقنيات عصرية تعتمد عليها أي دور في حياة الناس، كل شيء كان بمنتهى البساطة وأقرب إلى إيقاع الحياة الطبيعي السليم، الذي تميز في الوقت نفسه بالطيبة والمودة والصدق والتعاون والإخلاص في العلاقات الاجتماعية بين الناس أقرباء كانوا، أم جيرانا، أم لم يكونوا كذلك. في تلك الأيام وبعيداً عن شاشات التلفزة والتنقل من قناة فضائية إلى أخرى حتى فجر اليوم الثاني، كان الناس يتسلون في أوقات المساء، لاسيما في فصل الشتاء، بالالتفاف حول شعلة القنديل، بالقرب من المدفأة (صوبيا)، يتبادلون أطراف الحديث، أحدهم يروي مشاهداته خلال النهار، وآخر يروي سيرة أو قصة ما حدثت في الحي أو في مكان ما، ولا يخلو الأمر من وقفة عند المستجدات السياسية، لاسيما تلك المتصلة بالقضايا الوطنية والقومية. يبدون الرأي، ويتجادلون في هذا الشأن أو ذاك، لدرجة أن أمسيات كهذه كانت أشبه بغرفة أخبار تعرض مختلف المستجدات، مع تحليل وعرض لكل وجهات النظر الممكنة، دون أن يُبقي تمسك أي كان برأيه ضغينة لدى الآخرين. 

في المنازل المشيد معظمها من اللبن (بقايا التبن مع نوع من الطين)، وبين جدران تمنح الدفء، بطبيعتها، لمن تأويهم من برد الشتاء وحر الصيف، غالباً ما كان رب الأسرة أو واحد من الأبناء يروي حكاية من الحكايات الشهيرة لمن هم أصغر سناً من إخوة وأخوات، فيستمتع الكبير والصغير، وتمضي الأمسية على أسطر الحكاية التي تذهب مع الصغار إلى فراشهم، تحفز مخيلاتهم، تملؤها بأحاسيس مفعمة بالمحبة والأمل بغد مشرق، فتراهم يغطون بالنوم والسعادة ترتسم على مباسمهم، بينما يراقبون الضوء الصادر عن قنديل يتربع على رف من رفوف الغرفة، يخفت نوره شيئاً فشيئاً آذاناً للصغار بالنوم. كل هذا يجري على ضوء شعلة القنديل التي تراها تتراقص وكأنها تتفاعل مع الحديث وتتبادل أطرافه صمتاً مع المتحدثين، وكيف لا تفعل وهي الصادرة عن قنديل يشبه القنديل السحري (الفانوس) المحور الرئيسي في عدد كبير من الحكايات الشهيرة.

 وكانت لقنديل الكاز مكانته في نمط الحياة اليومي والمهام المنزلية، فمنذ الصباح ترى ربة المنزل تسأل بناتها: "هل نظفتن زجاجة القنديل؟ ماذا سيقول الجيران إن رأوا الزجاجة مغطاة بالشحبار؟ (كلمة شعبية - سخام أسود ناتج عن احتراق الكاز يلتصق بجدران القطعة الزجاجية التي تغطي شعلة القنديل) وأنت هيا انهضي واملئيه بالكاز قبل أن يحل الظلام فتصعب الرؤيا، ولا تنسي قص رأس الفتيل، فالشعلة يوم أمس لم تكن على ما يرام". 

بعد أكثر من نصف قرن عاد قنديل الكاز ليحتل مكانته الوظيفية والاجتماعية في البيوت السورية، بعد أن خسرها بتأثير هجمة تقنيات العصر وتربعها عوضاً عنه على كل رف من رفوف المنزل. مع عودة هذا القنديل السحري إلى حياة الأسرة عادت أمسيات السمر، واللقاءات بين الجيران التي ساهمت بدورها في إنعاش وتوطيد علاقة الجار بجاره، بعد طول جفاء وصل أحياناً إلى درجة عدم معرفة بعضهم لبعض، فالجميع منشغلون اليوم بمتابعة الفضائيات طيلة الوقت، وفي الركض وراء مختلف أشكال الترفيه المادية التي غالباً ما تتعارض مع الطبيعة الإنسانية، مثل زيارة (السيتي مول) والتجول فيه، أو الخروج بهدف (الشوبينغ) وما إلى ذلك.

رغم بقاء كل مغريات العصر على حالها، إلا أن العامة يتجنبون حالياً، بسبب تدهور الوضع الأمني، الخروج من المنازل في أوقات المساء، لهذا عادت اللقاءات المنزلية المسائية، لاسيما في الأحياء الشعبية، حيث إما يجتمع أفراد الأسرة أو يستقبلون الجيران ضيوفاً يتسامرون معهم. وغالباً ما يجري هذا في ساعات تقنين استهلاك الكهرباء، أي عندما يعود قنديل الكاز ليحتل مكانته القديمة- المستجدة من جديد، وتنير شعلته الفضاء الاجتماعي، تهديه الهدوء والركون حين تلغي كل ما هو مادي وتذكر الإنسان بمكانته الحقيقية إلى جانب الآخرين، الذين لا يمكن الاستغناء عنهم في ساعات الظلمة، لاسيما في ظل أزمة يبدو نهار المواطن السوري معها مظلماً فما بالك بالليل. في هذا المشهد تصبح شعلة القنديل والضوء الخافت الذي تعطيه لمن التأموا حولها مثل بصيص نور يبقي الأمل راسخاً في القلوب بأن يبقى الإنسان وحبه لأخيه احتياطي لا ينفد، وضمانة لإعادة النور إلى نهار وليل المواطن البسيط.

قنديل الكاز نافذة ليلية رائعة تطل عبر الأزمة والألم نحو ذاكرة يوم جميل مضى، تبقي الأمل في القلوب بمجيء يوم مشرق.

تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.
 

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.