العالم العربي

"أم الرسائل" بعد "أبو الاستحقاقات" والبقية تأتي...

لا يمكن تناول رسالة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمعزل عن تطورات الأوضاع في المحيط الإقليمي، ومن دون التوقف عند حال الإحباط التي باتت تسيطر على قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني بسبب استعصاء عملية السلام والإمعان في تجاهل تطلعاته وأوضاعه المتردية.

كتب رائد جبر
وكذلك بسبب استمرار حال الانقسام الداخلي، وتعاظم مشاعر فقدان الثقة لدى غالبية واسعة تحمل السلطة والمعارضة على السواء، المسؤولية عن الوضع الراهن.
في هذا السياق جاءت رسالة عباس لتسجل تراجعا جديدا في الأداء السياسي الفلسطيني الرسمي.
ولا يقتصر الأمر على توقيت ومحتوى الرسالة التي أريد لها أن تكون "تاريخية" حتى أطلق عليها البعض تسمية "أم الرسائل" في استعارة، تحوي ما تحوي، من مرارة ذكريات "أم المعارك" التي لا تغيب.
فاللافت فيها من حيث المبدأ، أنها شكلت استمرارا لنهج "سحب الذرائع" الذي أرهق الفلسطينيين طويلا، وحشرهم مرة تلو الأخرى وعلى مدى عقود، في مربع اضطرار الضحية إلى الإمعان في "تفسير موقفها" و"تقديم الضمانات والتأكيد على التمسك بالتزامات" على أمل أن يتم "فضح نيات" الطرف لآخر. وهذه سياسة لم تجلب خيرا على الفلسطينيين ولا حققت الهدف المرجو منها، لجهة تحويل التعاطف الدولي إلى أداة ضغط فاعلة على الاحتلال سياساته.
أما توقيت الرسالة فهو يبدو بدوره مثيرا للتساؤل، خصوصا مع انطلاق مرحلة جديدة من الركض وراء "استحقاقات سبتمبر" بنسخة معدلة في العام 2012 بعدما دفعت السلطة الفلسطينية الشعب إلى حبس الأنفاس وترقب "اختراق" تاريخي في أيلول (سبتمبر) الماضي.
والسؤال المطروح: ما الجديد الذي تعول عليه السلطة حتى تعلن نيتها التوجه مجددا لانجاز "أبو الاستحقاقات" في الأمم المتحدة؟
خصوصا أن نيات نتنياهو وفريقه المتطرف برزت قبل وبعد الرسالة في شكل جلي.
فقد شن رئيس حكومة الفصل العنصري الإسرائيلي هجوما عنيفا على عباس قبل نحو شهرين، واتهمه بـ"التحريض بشكل خطير" ووصفه بأنه "يدعي أنه معني بالسلام"  و"لا أساس لادعاءاته وافتراءاته" وطالب القيادة الفلسطينية بالتوقف عن "إنكار الماضي وتخريب الواقع" مؤكدا أن "أورشليم القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي منذ آلاف السنين. وستبقى أورشليم القدس تحت السيادة الإسرائيلية".
كل هذا لأن الرئيس الفلسطيني قال أمام مؤتمر حول القدس إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي "تسرع وبشكل غير مسبوق، وباستخدام أبشع وأخطر الوسائل، في تنفيذ خطط ما تعتبرها المعركة الأخيرة في حربها الهادفة لمحو وإزالة الطابع العربي الإسلامي والمسيحي للقدس الشرقية".
لم تكن عبارات نتنياهو كافية لإقناع القيادة الفلسطينية بأن سياسة "سحب الذرائع" فاشلة مع هذه الحكومة، فجاء رد الإسرائيليين على الرسالة بعد مرور بضع ساعات فقط على تسلمها من خلال إعلان نتنياهو عن تصديقه على بناء المزيد من المستوطنات في القدس والضفة الغربية وعن دعمه لمشروع قانون قدم للكنيست الإسرائيلي يهدف إلى شرعنة نقاط استيطانية تصنف بالعشوائية في الضفة الغربية.
ولم يكتف بذلك، بل دعا إلى فرض القانون الإسرائيلي على التجمعات السكنية الاستيطانية في الضفة الغربية وأكد أنه لن يقبل بإخلاء البؤر الاستيطانية.
اللافت أن هذه التصريحات شكلت ردا مباشرا على ثلاثة من أصل أربعة مطالب تضمنتها رسالة عباس، تتعلق بقبول الحكومة الإسرائيلية بمبدأ الدولتين على حدود العام 1967 ووقف كل النشاطات الاستيطانية بما في ذلك في القدس وإلغاء كل القرارات التي اتخذتها حكومة تل أبيب منذ العام 2000 مع احترام الاتفاقات الموقعة.
وإذا أضفنا المطلب الرابع المتعلق بالإفراج عن المعتقلين وخصوصا الذين اعتقلوا قبل العام 1994، يغدو واضحا أن الطرف الفلسطيني حصل سلفا على الجواب الإسرائيلي.
برغم ذلك، يبدو اللافت أكثر في محتوى الرسالة أن الرئيس الفلسطيني شدد على إصراره على عدم التسامح مع "العُنف" وأكد نية السلطة تنفيذ "ما علينا من التزامات بما في ذلك تفعيل اللجنة الثلاثية ضد التحريض".
 وهذا التعهد لا يعني الاكتفاء بمواصلة سياسة التنسيق الأمني المؤذية، بل يؤشر إلى خضوع السلطة لأحد شروط نتنياهو لاستئناف المفاوضات، وهو المتعلق بوقف التحريض مع ما يعني ذلك من استكمال تغيير المناهج التعليمية، ورسم خرائط فلسطين ضمن حدود غزة والضفة الغربية فقط، وعدم تسمية الإسرائيلي إلا بلفظة "الجار" أو "الطرف الآخر" وإزالة الآيات القرآنية التي يرد فيه ذكر بني إسرائيل من مناهج التعليم.
وسياسيا أعاد عباس التشديد على "التنازل التاريخي" عن 78 في المائة من أراضي فلسطين وأشار إلى "حل عادل لقضية اللاجئين" يقوم على مبادرة السلام العربية.
في المقابل خلت الرسالة من أية إشارة إلى حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال وسياساته حتى ولو بالطرق السلمية – الشعبية، وكل ما تضمنته إشارة إلى عزم السلطة مواصلة جهود الحصول على اعتراف أممي بصفة مراقب في الأمم المتحدة.
والسؤال ماذا تنتظر السلطة من نتنياهو وفريقه بعد كل ذلك؟
ربما يكون الشق الأكثر قربا من الواقع في الرسالة، هو ذلك المتعلق بأن السلطة "فقدت مبررات وجودها ولم تعد لها سلطة فعلية في أي مجال".
قد يكون الأفضل والحال كما أقر الرئيس الفلسطيني، أن تذهب السلطة نحو الحل الأصعب الذي نوقش قبل توجيه الرسالة وتقرر في اللحظة الأخيرة عدم تضمينه فيها، والمقصود التوجه نحو حل السلطة لأنها فشلت في مهماتها، ووضع الاحتلال أمام استحقاقاته الجدية وإعادة الأمور لقرار الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير مع إصلاحها وتوسيعها بضم "حماس".
وقد يكون الرئيس الفلسطيني المعروف بنزاهته على المستوى الشخصي وبزهده في السلطة، الأقدر على اتخاذ القرار الصعب.
(المقال يعبر عن رأي كاتبه)
 
 

تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.
 

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.