العالم العربي

تداعيات الصراع بين شمال وجنوب السودان على الموارد

تُعدُّ المعارك الضارية التي شهدتها منطقة هجليج السودانية، المتاخمة للحدود مع دولة جنوب السودان الوليدة، هي الأوسع نطاقاً والأشد خطورة منذ التوقيع على اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005 بين الشريكين السابقين في الحكم، المؤتمر الوطني بقيادة الرئيس عمر حسن البشير والحركة الشعبية بقيادة الرئيس سلفاكير ميارديت.

كتب عامر راشد

قادة البلدين لم يستبعدوا في ذروة المعارك، التي حسمت بانسحاب قوات الجنوب، العودة إلى خيار الحرب الشاملة والمفتوحة، بديلاً عن المفاوضات لحل القضايا الخلافية العالقة، حيث حاولت حكومة جنوب السودان ربط انسحابها من منطقة هجليج بإدخال قوات حفظ سلام دولية فيها، وانسحاب الجيش السوداني من منطقة أبيي المتنازع عليها، وانتزاع مكاسب في ملف تصدير نفط الجنوب عبر الأراضي السودانية. بينما اعتبرت الخرطوم من جانبها أن عودة العلاقات الطبيعية مع جوبا غير ممكن إلا إذا قبلت حكومة الجنوب بحل الخلافات الحدودية على أساس حدود الأول من يناير (كانون الأول) عام 1956، وانسحاب مقاتلي الحركة الشعبية من ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ووقف دعم حركات دارفور الرافضة للسلام.
ويشار هنا إلى أن الحركة الشعبية (قطاع شمال السودان)، وثلاث حركات متمردة في دارفور - هي العدل والمساواة وحركة تحرير السودان "جناحا مني مناوي وعبد الواحد نور"- أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تأسيس تحالف باسم "الجبهة الثورية"، يهدف لإسقاط حكومة الخرطوم. ووقعت خلال الأشهر الماضية مواجهات عسكرية عنيفة بين الجيش السوداني ومقاتلي هذه الحركات في ولايتي النيل الأزرق وكردفان، أدت إلى نزوح ما يقارب نصف مليون من السكان وفقاً لإحصائية رسمية صادرة عن الأمم المتحدة.
في ظل المعطيات السابقة، تتجه العلاقات بين البلدين نحو معارك (كسر عظم) سياسية، قد تشعل فتيل حرب تخرج عن نطاق السيطرة، وتأخذ طابعاً إقليمياً يستدعي تدخلات دولية غير مسبوقة، ذلك أن كلتي الحكومتين تنظران إلى النزاع الحدودي كصراع مصيري يتعلق بالأمن القومي، وبمصدر رئيسي للموارد والثروات. ويفرض ذلك كون المناطق المتنازع عليها تكتسي أهمية خاصة لكثافتها السكانية، التي تتجاوز عشرة ملايين شخص، ووفرة المياه والثروة الحيوانية، فضلاً عن ثروات أخرى غير مستثمرة حتى الآن. على سبيل المثال -لا الحصر- كشفت تقارير رسمية أميركية عن أن مناطق الصراع التي تقطنها القبائل في جنوب كردفان توجد تحتها أنهار من البترول، تمتد حتى جبال النوبة وولاية غرب كردفان ومثلث "الرقبة الزرقة".
وتخلع التدخلات الإقليمية والدولية صعوبة بالغة على مساعي حل القضايا الخلافية بالوسائل السلمية استكمالاً لاتفاقية "نيفاشا"، فقد أعلنت أوغندا وقوفها إلى جانب جنوب السودان في معارك هجليج، وتأييدها لمطالب جوبا، متذرعة بأن حكومة الخرطوم مازالت تدعم حركة "جيش الرب" الأوغندية المتمردة. وغير خافٍ الدعم اللامحدود الذي تقدمه إسرائيل لحكومة جنوب السودان، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبغت نتائج الزيارة، التي قام بها سلفاكير إلى تل أبيب نهاية العام الماضي، على العلاقات الإسرائيلية مع الجنوب طابع تحالف إستراتيجي، هو الأهم في مرتكزات نفوذ إسرائيل في القارة الأفريقية، التي بنتها من خلال شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية المتطورة مع دول حوض النيل - أثيوبيا وأوغندا وكينيا وزائير - بالإضافة إلى الجسور المفتوحة بينها وبين بعض حركات التمرد في دارفور، ما يعطيها قدرة كبيرة على التأثير في الداخل السوداني.
كما تثير الأزمة المتفاقمة بين دولتي شمال وجنوب السودان مخاوف مصرية، من أن يتطور الموقف إلى حرب بين دولتين تمثلان العمق الاستراتيجي لمصر، وهو ما يلحق بالأمن القومي والمائي المصري أضراراً بالغة.
بدورها تولي الولايات المتحدة الأميركية أهمية قصوى، في خططها الإستراتيجية، للجم النفوذ الصيني المتزايد في القارة الأفريقية، التي وصفها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، عام 2000، بأنها المنافس الإستراتيجي الأول لبلاده في المستقبل، وذلك لما تتمتع به الصين من قوة اقتصادية هائلة جعلتها تلعب هذا الدور بفاعلية واقتدار، خاصةً أن الأفارقة  وجدوا فيها ما يلبي طموحاتهم الذاتية مثل: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم ربط الاستثمارات بالشروط المسبقة، أو بث أي إيديولوجيات فكرية أو ثقافية تذوّب الطابع الإفريقي مثل الأمركة والفرنسة، علاوة على أنها تمتلك التكنولوجيا الحديثة التي من خلالها يمكن المساهمة في بناء القدرات الإفريقية. وبذلك وجدت الصين ضالتها في إفريقيا من باب الاستثمارات في مجالات النفط والتجارة، وأصبحت الصين الحليف المقبول لدى الأفارقة، حيث فتحوا لها الباب الأفريقي على مصراعيه، وكان السودان سباقاً في هذا المجال.
وفيما يخص السودان تحديداً، يؤكد الخبراء في الشأن السوداني أن اتفاقية "نيفاشا" وضعت الأسس لعودة الأميركيين من بوابة الجنوب، واحتمال خروج الصينيين من البوابة نفسها، بضمان ولاء أبناء الجنوب للولايات المتحدة، وتوظيفه في التحكم بتنفيذ المشروع الأميركي المتضمن عدم استقلالية دولة الجنوب عن السياسة الأميركية ومواصلة مخطط تقسيم السودان. ومن شأن وقف إنتاج النفط وتخريب المنشآت النفطية في السودان توجيه ضربة اقتصادية مؤلمة للصين، التي بلغت استثماراتها في قطاع صناعة البترول السوداني وملحقاته، مثل البتروكيماويات وأنابيب نقل النفط، نحو ستة مليارات دولار وفقاً لإحصائيات عام 2007.
ويرى مختصون في الشأن السوداني، أن كل الخيارات ستظل مفتوحة خاصة من جانب واشنطن، فإذا اضطرت إلى احتلال آبار النفط السودانية ربما ستفعل، وهذا الأمر غير مستبعد في ظل الظروف المتوقعة، واحتمال إعادة تصعيد الأزمة في دارفور.
ويبقى الخاسر الأكبر في المعادلات الداخلية والإقليمية والدولية المغذية للصراع بين الشمال والجنوب هم السودانيون، الذين أنهكتهم عقود طويلة من الحرب الأهلية، وإهدار الثروات. ومن الصعب التنبؤ بمستقبل العلاقات بين الخرطوم وجوبا وسط قرع طبول الحرب، وانعدام الأمل في أن تلعب الولايات المتحدة دوراً متوازناً يُمكِّن المجتمع الدولي من الإسهام في تقريب مواقف طرفي النزاع.
أخيراً، بانفصال الجنوب عن الشمال في حزيران/يونيو   الماضي فشلت كل المراهنات على تحويل اتفاقية "نيفاشا" إلى أرضية جاذبة للوحدة، وبعد أقل من عام على قيام دولة الجنوب تخبو المراهنات على أن يؤدي استقلال الجنوبيين إلى استئصال جذور الحرب الأهلية. لكن الذهاب إلى الحرب الشاملة مرة أخرى ليس قدراً، فالحل السياسي ممكن بتوافر إرادة لدى الجانبين للعودة إلى طاولة الحوار، ووضع تصور ينطلق من المصير المشترك لشعب متعدد الأعراق والإثنيات بات يعيش في دولتين، بما يحقق ترسيم الحدود والاتفاق على ترتيبات أمنية متبادلة، وإيجاد صيغة عادلة لرسوم تصدير النفط، واستثمار الثروات، وتقنين أوضاع الجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب، مع التأكيد على نصيحة وزير الخارجية المصري للسودانيين: "إن الحل الدائم يجب ألا يقوم على المفاوضات السياسية حول القضايا العالقة فقط، بل على شراكة حقيقية في كافة المجالات التنموية".
(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.
 

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.