العالم العربي

أزمة الإسلام السياسي في ربيع الثورات العربية

كتب مازن عباس
رغم أن ربيع الثورات العربية جاء وكأنه المنقذ لقوى الإسلام السياسي في المنطقة العربية التي عانت على مدار عشرات السنين من قمع الأنظمة الحاكمة، لكن الظاهر غير واقع الأمر...
وفي البداية لا بد أن نقر بأن الإسلام السياسي ممثلا بجماعة "الإخوان المسلمين" كقوة سياسية، تتواجد على أرض الواقع، ولا يمكن تجاهل حضورها السياسي، بصرف النظر عن تقييم مواقفها وسياساتها. كما أن الصراع السياسي وفق منطق الربيع العربي لا يمكن أن يقبل بإطلاق أي اتهامات على هذه الجماعة أو غيرها من القوى السياسية بالتخوين والعمالة لمجرد الخلاف في الرأي والمواقف. لكن هذا التقييم لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذه الجماعات "الممثل الشرعي والوحيد" للشريعة والإسلام، ولا يمكن أن نقبل بمنطق أن ما تقوله هذه الجماعة أحكام دينية شرعية نافذة لا يمكن رفضها.
لكن ربيع الثورات العربية الذي حطم نهج القمع وحظر الرأي الآخر الذي استخدمته الأنظمة الدكتاتورية لدعم نفوذها، وفتح الأبواب على  مصراعيها لكافة القوى المتواجدة في الشارع السياسي العربي. ما فسح المجال لجماعة "الإخوان المسلمين" لكي تمارس العمل السياسي بحرية في مصر وتونس، ولكي تتواجد بحرية في حراك الثورة السورية.
 وبعد مرور أكثر من عام على انطلاق ربيع الثورات العربية لا بد أن نبدأ في حوار حول تقييم هذه القوى التي قدمت نفسها للشارع العربي على مدار عشرات السنين في صور مختلفة بدءا من اعتماد العنف المسلح، وانتهاء بالاقتصار على العمل السياسي البرلماني ... وتأرجحت شعاراتها من "تطبيق الشريعة الإسلامية" إلى "بناء الدولة المدنية الديمقراطية".
إن انهيار أنظمة الحكم الشمولية أنهى لدى قوى الإسلام السياسي أهم أدواته في تطبيق مبدأ السمع والطاعة، والتي استندت إلى خطر العدو الذي يستخدم أشد أساليب القمع لتدمير الجماعة، ما يستوجب التوحيد والتمسك في هذا الصراع السياسي الدامي. ومنح الوضع الجديد الناشئ قوى الإسلام السياسي إمكانية العمل السياسي بحرية، بل ومكنها من الحصول على الأغلبية البرلمانية في مصر وتونس، باعتبارها القوة الأكثر تنظيما وتمويلا بين جماعات المعارضة التي كانت بين قوى الثورات العربية.
لكن منهج هذه القوى لم يختلف عن نهج الأنظمة الشمولية الدكتاتورية سواء داخليا على مستوي التنظيم، أو على مستوى الوطن. ومنذ انطلاقة الثورة المصرية بات واضحا أن هدف الإخوان المسلمين وأصدقائهم من السلفيين الوصول إلى مقاعد السلطة، لا تحقيق أهداف الثورة ومصالح الشعب، وبدلا من الاعتقال والقمع الجسدي لكل من يعارض سياسات الإخوان المسلمين، أصبح الكفر ومخالفة شرع الخالق التهمة السائدة لكل من تسول له نفسه أن يرفض التعديلات الدستورية التي طرحها المجلس العسكري للاستفتاء في مارس العام الماضي، وأصبح عدم تأييد مرشحي الإخوان والإسلاميين ومساندة مرشحين آخرين يستوجب الجهاد ضد من يساند الكفار!!!! وارتدى  قمع الرأي الآخر ثوبا دينيا طائفيا فكريا، وهو أخطر بكثير من القمع الجسدي والاعتقال، لأنه يضع المعارضة– عبر أساليب التضليل والتزوير العقائدي- في مواجهة مع معتقدات قطاعات واسعة من الشارع المصري والعربي. أكثر من ذلك من يختلف من أبناء الجماعة مع سياسات قيادته، يصبح مرتدا وضالا، ومن يسانده يفصل ويطرد (ونحمد الله أنهم لم يصلوا إلى السلطة وإلا كانوا أقاموا عليه الحد)، كما حدث مع أنصار د. عبد المنعم أبو الفتوح المرشح للرئاسة في مصر، حيث فصلت الجماعة عددا كبيرا من أعضائها الذين ساندوا ترشح أبو الفتوح للرئاسة. وكان من الطبيعي أن تشهد هذه الجماعات انشقاقات وخلافات بعد إزالة فزاعة قمع النظام، وأصبح الأمر شورى بينهم، لأن القيادة ترفض التشاور وتريد السلطة بأي ثمن ومهما كانت التنازلات.. بدءا من التفريط في حقوق الثوار وأهداف الثورة وانتهاء بتقديم تطمينات لإسرائيل  والولايات المتحدة بأنهم لن يحيدوا عن سياسة السلف المباركي.
هذه الجماعة التي زعمت أنها جزء من الثورة وتناضل لتحقيق أهدافها، سعت عبر فتاوى مشايخها لإفشال مليونيات الشعب المصري التي خرجت على مدار الشهور الماضية تطالب المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين، بل وأطلقت الجماعة "المحظورة" مليشيات شباب الإخوان لقمع المتظاهرين عندما توجهوا لمجلس الشعب لمطالبة نواب الشعب باستلام السلطة. ما كشف آنذاك عن صفقة الإخوان مع المجلس العسكري على اقتسام السلطة، وتتابعت الاكتشافات لتظهر صفقات "شاطر" الأخوان، نائب رئيس الجماعة،  مع محمد رشيد الوزير الهارب وعدد من رموز فلول نظام المخلوع مبارك..
الأمر لم يختلف كثيرا في مواقع أخرى، حيث يتناسى الإخوان المسلمون السوريون، آيات الذكر الحكيم في سورة "الرعد" ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم) ويستغلون كونهم أغلبية مقررة في المجلس الوطني بالترويج لضرورة التدخل العسكري الخارجي، ليتمكنوا من الوصول إلي السلطة في سورية، بعد أن تبين أن حجم تواجدهم لم يمكنهم من إسقاط النظام الدكتاتوري بزعامة الأسديين، أو بحد أدني سيؤدي اعتمادهم على الحراك الشعبي البطولي لفرض شركاء عليهم من الليبراليين والعلمانيين في السلطة، وهو ما لا يروق لهم. وتبلغ الصفاقة حدها لدى جماعة الإخوان المسلمين السورية بأنها منحت نفسها حقا إلهيا بمنح صكوك الشرعية والوطنية لبقية أطراف المعارضة السورية، لتكشف أن نهجها السياسي لا يختلف عن نظام الأسد كمثال. ويتطابق سلوكها السياسي مع النهج الأسدي في تصنيف البشر في العالم إلي معارضين له ويعتبرهم خونة وعملاء يجب تصفيتهم، أو أنصار له يدعمون نهج "الممانعة"، ليحصل - وفق منطق ومعايير هذه التصنيفات - كل من الجنرال عاموس جلعاد رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية ووزير الدفاع إيهود باراك على صفة "المقاوم"، ويحصل المفكر العربي البارز عزمي بشارة على صفة "الخائن". ولم يجد الإسلام السياسي في العالم العربي غضاضة في استدعاء احتلال أجنبي ليمكنه من الوصول إلي السلطة. في وقت طالبت كافة القوى  الليبرالية والعلمانية واليسارية السورية بدعم خارجي يتمثل في فرض حصار علي النظام لتمكين الحراك الشعبي من إسقاطه.
ولا نجد تباينا كبيرا في تكتيك جماعة الإخوان في سورية عن شقيقتها في مصر، والذي يعتمد مبدأ التحالف مع أي جهة في سبيل الوصول إلي السلطة والانفراد بها. في مصر رفضت الجماعة المشاركة في مظاهرات 25 يناير 2011، ولما بات واضحا أن مسار الحراك الشعبي قادر على إسقاط رأس النظام سارعت الجماعة بالانضمام إلي الثوار. وبعد إسقاط مبارك كانت الجماعة من أوائل الراكضين للحوار مع المجلس العسكري للحصول على حصتها من السلطة. وتركت شباب الثورة يعتقلون ويقدمون للمحاكمات العسكرية، وغضت البصر عن قتل الثوار في شارع محمد محمود والقصر العيني أواخر العام الماضي. وما أن رفض العسكر منحها نفوذ أكبر في السلطة ركضت الجماعة مرة أخرى إلي الشارع ودعت لمليونيات ضد العسكر.. كيف يمكن أن يثق الشارع المصري في جماعة سيطر على نهجها السياسي منطق الانتهازية والمتاجرة بالثورة للوصول إلى السلطة؟ كيف يمكن أن نثق بجماعة لا تجد عيبا في استدعاء احتلال أجنبي ليمكنها من الوصول إلى إلي السلطة؟
ولكن كما يقول المثل.."هو طبعك وإلا حتشتريه!"..فإن من يستخدم الشريعة السماوية لكي يحقق مكسبا سياسيا لا يري محرمات ومبادئ في العمل السياسي.
(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.
 

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.