‎مقالات واراء

‎تحقيقات

‎كتّاب

‎قضايا

مقالات واراء

تركيا في البحث عن الذات والفرص المتاحة

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان © RIA Novosti. Сергей Гунеев 21:00 | 2012 / 08 / 11


كتب فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة "روسيا في السياسة العالمية"

توجه رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي، إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائهما في موسكو في نهاية تموز/يوليو الماضي، بطلب التفكير في احتمال قبول تركيا في منظمة شنغهاي للتعاون. كشف أردوغان عن خطوته هذه في حديث للصحفيين الأتراك بعد زيارته إلى العاصمة الروسية.
وجدير بالذكر أن منظمة شنغهاي للتعاون تضم كلا من روسيا والصين وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. وتحظى بصفة مراقب فيها الهند، باكستان، إيران، منغوليا وأفغانستان. كما تتمتع كل من بيلاروسيا وتركيا وسريلانكا بصفة شريك في الحوار.
ويعتبر تحرك أردوغان أمرا مفاجئا ومفهوما في آن معا، لأن هناك ما يبرره، كما يبدو. إذ يتولد انطباع أن أنقرة لا تمانع أن تحاول تطبيق تطلعاتها الإستراتيجية على نطاق أوسع مما هو الآن. ومن خلال عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون يمكن لتركيا أن توطد علاقاتها مع الدول الكبرى "الصاعدة" وتعزز مواقفها التفاوضية في حوار مع الولايات المتحدة. ورغم أن واشنطن وأنقرة قد طوتا صفحة الفتور وتقاربتا من جديد على خلفية الأحداث السورية إلا أن تركيا ما زالت تصر على حقها في انتهاج "خط مستقل" في مختلف القضايا السياسية والعسكرية.   
بالطبع، ليس قبول تركيا في عضوية منظمة شنغهاي للتعاون من أولويات هذه المنظمة، التي تهمها الآن في المقام الأول مسألة التعاطي مع الطلبات المتكررة من جانب اللاعبين الإقليميين المهمين - الهند وباكستان – بشأن الانضمام إلى المنظمة كعضوين كاملي الحقوق فيها. غير أن طلب تركيا باعتبارها أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) يستحق الاهتمام والدراسة بشكل معمق لفهم منطق القيادة التركية وتطلعاتها الجيوستراتيجية.
ولا بد من التذكير هنا بأن أنقرة ومنذ تفكك الاتحاد السوفيتي في نهاية 1991 كانت تحلم بأن تصبح بمثابة راعي الجمهوريات السوفيتية السابقة الناطقة باللغات القريبة أصلا من اللغة التركية. صحيح أن هذا المشروع رغم الجهود الحثيثة التي ببذلتها تركية لتطبيقه خلال السنوات العشرين الماضية لم ير النور، إلا أنه لم يسقط نهائيا، مما يمهد للعودة إليه لاحقا. وترى أنقرة أن بإمكانها - في حال انضمامها إلى  منظمة شنغهاي للتعاون – أن تقود كتلة دول آسيا الوسطى القريبة لها لغويا وتوجهها من الناحيتين الحضارية والسياسية  ليس في مصلحة نشر النفوذ التركي فيها فحسب بل ولما يستجيب لمصالح الدولتين العملاقتين الصين وروسيا اللتين تجدان صعوبة في التعامل مع الدول الصغرى في المنظمة وإيجاد القواسم المشتركة معها.
ولكن حتى يصبح الدور التركي "الموجه" في المنظمة مقبولا لدى بكين، مثلا، يتوجب على أنقرة أن تفك الارتباط بالحركة الانفصالية للأويغور في منطقة  شينجيانغ ذات الغالبية المسلمة في شمال غرب الصين والتي تتمتع بالحكم الذاتي رغم أن القوى المتضامنة مع الأويغور الصينيين كانت تجد في تركيا ملاذا آمنا على الدوام. كما يمكن أن تستفيد تركيا من عضويتها الافتراضية في منظمة شنغهاي للتعاون لزيادة مدى تأثيرها على التطورات الأفغانية وذلك من خلال الالتفاف على إيران.
من الواضح أن هناك سببا لإبداء رئيس الوزراء التركي مثل هذا الاهتمام "المفاجئ" بآفاق تعاون بلاده مع المنظمة البعيدة نوعا ما، جغرافيا، من تركيا. ويعود هذا السبب ببساطة شديدة إلى كم هائل من المشاكل في منطقتها الشرق أوسطية بالذات. لقد رأت تركيا أن من مصلحتها الانجرار في الصراع الدائر في سورية وحولها، وتم ذلك بالفعل ولكن لدرجة أصبحت أنقرة معها مرتبطة بسيناريوهات مختلفة وقد تخسر أكثر من غيرها من اللاعبين الخارجيين في المربع السوري إذا اتخذ تطور الأحداث منحى غير ملائم لها، وخلافا لنهج سياستها الذي كانت تتبعه خلال عدة سنوات متتالية مرت.
ولا بد من التذكير في هذا الصدد بأن منظر سياسة تركيا الخارجية أحمد داود أوغلو الذي عمل مستشارا لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان قبل أن يعين في منصب وزير الخارجية، كان قد طرح في وقته نظرية "المشاكل الصفرية مع الجيران" باعتبارها إستراتيجية بلاده السلمية في النهوض الاقتصادي من أجل الزعامة الإقليمية. وعلى خلفية النمو الاقتصادي والتطور الديناميكي السياسي للبلاد خلال السنوات الأخيرة لم تبدو تلك الفكرة طوباوية أو غريبة على الأقل، وإن انتقدها بعض المتشائمين الذين أعربوا وقتذاك عن شكوكهم في مدى واقعية هذا الموقف نظرا لكثرة جيران تركيا المختلفين جدا بدءا من البلقان والقوقاز وحتى روسيا والشرق الأوسط وصعوبة بناء علاقات منسجمة خالية من المشاكل مع جميعهم.
ولكن رغم كل هذه الانتقادات كانت القيادة التركية تراهن على جاذبية فكرة "صفرية المشاكل" وجدواها العملية قبل أن تندلع أحداث سورية المفاجئة إلى حد كبير لتدفنها نهائيا بدليل أن علاقات تركيا الحالية اتخذت طابعا مربكا ومتناقضا مع كافة الدول المجاورة ولو بدرجات متفاوتة. ومن المفارقات العجيبة للوهلة الأولى أن الوزير أحمد داود أوغلو أصبح قبل غيره مستهدفا من قبل المعارضة التركية التي تهدده برفع  طلب إقالته من منصبه عما قريب. وفي رأي النقاد، أخطأ وزير الخارجية التركي في تقدير مدى ثبات نظام بشار الأسد وقدرته على الصمود، وأيد نية أردوغان قطع العلاقات مع دمشق الخريف الماضي بدلا من إقناعه بضرورة الامتناع عن هذه الخطوة الراديكالية. فأعرض أردوغان بحدة عن صديقه الأسد بذريعة أن الأخير لم يستجب لنصائحه بشأن إجراء إصلاحات تتيح إمكانية احتواء الأزمة، مراهنا على "السقوط الحتمي السريع" للنظام السوري وكذلك على الاستفادة المستقبلية من دعم المعارضة السورية التي تتخذ من تركيا موقعا لعقد اجتماعات هيئاتها القيادية مثل المجلس الوطني السوري إلى جانب لقاءات "أصدقاء سورية"، في حال وصولها إلى السلطة في دمشق.
أما في واقع الأمر، فيبقى نظام الأسد قائما في دمشق حتى الآن رغم إضعافه بشدة، فيما لا تستطيع المعارضة رغم المساعدات الخارجية السخية التي تتلقاها تحويل مجرى الأحداث لصالحها. وهناك الشيء الأهم وهو أن السلطة لن تكون بالضرورة في أيدي من ترعاهم أنقرة حاليا حتى لو سقط النظام السوري الحالي. فتتعالى أصوات أولائك في الوقت الحاضر الذين يحذرون من احتمال تحول "سورية ما بعد الأسد" إلى ساحة صراعات مميتة بين مختلف المجموعات الإثنية والطائفية في غياب حكومة مركزية فاعلة ورؤية مشتركة لمستقبل البلاد. بل وأكثر من ذلك، إذ من غير المستبعد أن يواجه تركيا كابوس حقيقي في حال ظهور كيان كردي غير خاضع لحكم دمشق على امتداد الحدود التركية لا بد أن يقع تحت تأثير نفوذ حزب العمال الكردستاني أي تلك المنظمة القتالية التي تحاربها أنقرة عشرات السنين دون نتيجة إيجابية تذكر.
كما أدى نشاط تركيا المحموم في المسرح الشرق أوسطي إلى إفشال جهود حكومة أردوغان المديدة بهدف بناء علاقات خاصة متميزة مع طهران بعد أن اتخذت الأزمة الداخلية في سورية طابع الصراع السني الشيعي. وانتقلت الخلافات التركية الإيرانية إلى العراق أيضا حيث يراهن الطرفان على قوى مختلفة.
أضف إلى ذلك أن أجواء علاقات تركيا مع اللاعبين الأقوياء  الأساسيين في الجبهة الإقليمية المعادية للأسد – المملكة العربية السعودية ودولة قطر – ليست صافية أيضا، لأن الرياض والدوحة لا تنظران بعين الرضا إلى تصميم الدولة غير العربية مثل تركيا على المشاركة النشيطة في شؤون العالم العربي لدرجة سعيها إلى فرض الهيمنة الإيديولوجية على المنطقة، خاصة وأنقرة تدرك جيدا أن قوى المعارضة التي تؤيدها الأنظمة الملكية السنية الخليجية في سورية ليست معتدلة وعلمانية، وأن دول الخليج العربية تعتزم أن تقول كلمة الفصل في هذا البلد بعد تغيير النظام فيه. 
ولا بد من القول أيضا إن الخط الذي تنتهجه أنقرة في الأزمة السورية ألقى بظلاله على علاقات تركيا مع روسيا رغم أنها  شهدت طفرة حقيقية في زمن بوتين وأردوغان، مع ملاحظة أن الضرر المحتمل في هذه الحالة لن يكون كارثيا، طبعا. ذلك أن الدولتين تربطهما مصالح عديدة متلاقية في مجال الطاقة وفي منطقة جنوب القوقاز، وهما لن تخاطران بمستوى التعاون القائم بسبب أحداث الشرق الأوسط. ثم أن ما تجمع بينهما يعود أيضا إلى موقف الغيرة من أوروبا الموحدة التي لا تعتبر تركيا وروسيا على حد السواء جزءا طبيعيا لا يتجزأ منها بل وتبعدهما عن قضاياها الإقليمية المصيرية.
خلاصة القول أن مسألة التوجهات السياسية لتركيا تشكل أهمية بالغة بالنسبة للجميع نظرا لموقع هذا البلد الهام في تقاطع مصالح مختلف القوى العالمية والإقليمية من الناحيتين الجيوسياسية والإيديولوجية، وخاصة بالنسبة لروسيا التي تؤثر تركيا على مجال مصالحها المباشرة تأثيرا قويا ومتزايدا في كل حال من الأحوال.                                    

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.

 

تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.