قضايا

هل يتحول "الإسلام السياسي" من رابح أكبر إلى خاسر على محك السلطة

 

كتب عامر راشد

ثمة حقيقتان أبرزتهما الثورات العربية لا خلاف حولهما، الحقيقة الأولى أن حركات "الإسلام السياسي" لم تكن من القوى المفجرة للثورات، بل التحقت بها، شأنها شأن الكثير من البنى الحزبية التقليدية التي فرض عليها الفعل الثوري في الشارع ركوب قطار الثورة بعد تردد. والحقيقة الثانية أن حركات "الإسلام السياسي" كانت المستفيد الأكبر من سقوط الأنظمة الفردية الدكتاتورية في تونس ومصر وليبيا، والانتخابات البرلمانية في المغرب، رغم ما اتسم به الحراك الشعبي من فعل جماعي تصدرته قوى وأطر جديدة كسرت طوق العمل الحزبي الكلاسيكي في الأنظمة السياسية السابقة، ونأت بنفسها عن أي التزام أيديولوجي للون سياسي بعينه.

لماذا حصدت حركات "الإسلام الإسلامي" الحصة الأكبر من مغانم الثورات رغم الحقيقتين أعلاه؟ وراء ذلك جملة من الأسباب، نختصرها دون توسع أو استطراد، بالتأكيد على أن حركات "الإسلام السياسي" هي الأفضل تنظيماً، بل إن الانضباط التنظيمي الصارم هو جزء من تقاليد وأساليب الجماعات الإسلامية، وتوظفه ببراعة وكفاءة، فضلاً عن أنها تمتلك القاعدة الشعبية الأوسع، بين القوى السياسية والحزبية التقليدية. لهذا كانت الأقدر على استثمار الحراك الجماهيري، ومكّنها في ذلك مراجعات سريعة لبرامجها وخطابها الإعلامي، والالتزام بداية بالسقف السياسي والمطلبي للقوى المحركة للشارع، وتجنب تمييز أنفسها بشعاراتها الخاصة في المظاهرات والاعتصامات، بفعل اعتبارات الضرورة التي تمليها المصلحة والواقع. كما تمتعت حركات "الإسلام السياسي"، دون غيرها من القوى والأحزاب الأخرى في بلدان الثورات، بدعم مالي قوي من مواردها الذاتية ومن أطراف خارجية. وتميزت تاريخياً بأنشطتها الخيرية، ووظفت هذا في الانتخابات التشريعية المصرية والتونسية والمغربية باجتذاب أصوات أبناء الطبقات المهمشة والأكثر فقراً. 

بالمقابل افتقرت التجمعات الشبابية التي فجرت الثورة، ولعبت دور المحرك لها، إلى التنظيم والخبرة، وتحويل طاقتها إلى حضور شعبي مستدام يعطيها وزناً في صناديق الاقتراع يوازي وزنها في الشارع. وحدَّ قِصر فترة التحضير للانتخابات من فرصة تلك التجمعات في تنظيم وتأطير نفسها في بنى حزبية تخوض من خلالها الانتخابات، بالإضافة إلى أنها لم تستطع أن تضع برامج موحَّدة، أو متقاربة، لمستقبل بلدان الثورات ونظامها السياسي، ما أدى إلى تفتت المطالب الثورية وتشعبها، ومثالها الأبرز الحالة المصرية.

بيّد أن حقيقة ثالثة باتت تلوح في الأفق على ضوء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية، وهي أن قوى "الإسلام السياسي" -من "إخوان مسلمين" وسلفيين- بدأت تفقد في شكل دراماتيكي، لم يكن متوقعاً بهذه السرعة، الزخم الشعبي الذي أعطاها في الانتخابات التشريعية التعددية الأولى في مصر أكثر من سبعين في المئة من مقاعد مجلس الشعب، وأن الانقسامات داخل تلك الحركات نابعة عن خلافات جديّة حول ماهية النظام السياسي الجديد قيد التكوين، وليس مثلما كان يقال بأنها تنويعات عزف على مقام واحد، ترتوي من إرث مشترك يَضبُط عند الضرورة التباينات في ما بينها، بما يجيز تناولها ككتلة أوجه تشابه عناصرها هي الغالبة.

تونس السباقة في الثورة، كانت سباقة أيضاً في إماطة اللثام عن عدم توافق قيادة "حركة النهضة" على الرؤية المستقبلية لطبيعة نظام الحكم، فقيادة الخارج بزعامة راشد الغنوشي، التي عادت إلى البلاد إثر هروب بن علي، تتبنى خطاباً سياسياً معتدلاً، بينما تظهر مؤشرات أنه لم يقع قطع نهائي من قِبَل قيادة الداخل مع منظومة فكرية راديكالية تختزل الشريعة الإسلامية بتطبيق الحدود (العقوبات المقدرة شرعاً كحدَّ الزنا والخمر والسرقة..الخ)، بديلاً عن القوانين الوضعية، ما يضع علامات استفهام على فرص نجاح الحركة ببلورة موقف موحد من فصل النشاط الديني عن الأداء السياسي. وتواجه "حركة النهضة" أيضاً البروز المفاجئ للحركة السلفية الشبابية، وبخاصة "حزب التحرير"، الذي رفضت السلطات التونسية، بعد الثورة، التصريح له بالعمل رسمياً كحزب مرخص. وبالتالي فإن الخلاف على هوية الدولة وعلمانيتها سيبقى موضع جدل ساخن لفترة ربما تطول.

وتعترض برامج محاربة الفساد والإصلاح، التي أقرتها الحكومة المغربية بقيادة "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي، شبكة مصالح مجموعات ضغط اقتصادية وسياسية يرتبط بعضها بالحزب والقصر، وتقاوم بشراسة المس بـ(مكتسباتها)، ما يطرح مخاوف من أن يصبح تطبيق برامج الحكومة انتقائياً، بخضوعه لتقدير قيادة "حزب العدالة والتنمية" لمدى تأثر جوانب من مصالحه بفتح ملفات إشكالية، يلحُّ عليها الشارع، لكنها من زاوية أخرى قد تسبب احتكاكاً شديداً مع القصر ومراكز قوى داعمة لها. ويعني ذلك أن حكومة عبد الإله بنكيران في دائرة تجاذب بين مطالب الشارع المتحفز وتحاشي الصدام مع مجموعات الضغط الاقتصادية والسياسية. 

أما في ليبيا، ما زالت قوى "الإسلام السياسي" أقرب إلى حالة حزبية جنينية في رحم الميليشيات القبلية والجهوية. وفي الأردن تعاني حركة "الإخوان المسلمين" من صعوبة تقديم نفسها كحركة فوق صراعات الهوية، حيث مازال ينظر إليها كتنظيم سياسي للأردنيين من أصول فلسطينية، وهو ما يدفع فئات واسعة من الأردنيين، (أبناء العشائر)، للتشكيك في دعوات الإصلاح السياسي والاقتصادي وتعزيز مشاركة كل أبناء الشعب الأردني، بعد عقود من هواجس الخشية من الاندماج، الذي قد يلغي حسب إدعاءات البعض هوية الأردن ويحوله إلى (وطن بديل) للاجئين الفلسطينيين.

ماذا عن المستقبل؟ لقد أطلقت الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن عجلة التغيير، وفتحت الأبواب أمام حركات "الإسلام السياسي" للعمل بشكل قانوني وعلني، لكن التجارب السابقة لـ"الإسلام السياسي" في الحكم لم تكن مشجعة في السودان وفلسطين والعراق، وهي اليوم في بلدان الثورات محكومة بأزمات سياسية واقتصادية خانقة، تهدّد بالفشل.

وإذا كانت حركات "الإسلام السياسي" العربية مدعوة في اللحظة التاريخية لعب دور حاسم في إنجاح شروط الانتقال الديمقراطي، وليس العمل على إضعافها، إلا أن توظيف الدين في الخطاب السياسي والممارسة العملية يجري في اتجاه معاكس، يثير مخاوف فئات شعبية واسعة من إنتاج التجارب التاريخية السابقة التي أنتجت أنظمة مستبدة، فتصريحات بعض قيادات "الإخوان المسلمين" والأحزاب السلفية، التي تأتي رهينة لانفعالات لحظية، مثل تصريحات مرشد الإخوان السابق مصطفى مشهور التي قال فيها إنه يرفض ولاية القبطي والمرأة، تدل على إمكانية السير في مسار أنظمة حكم إسلامية فاشلة، كنظام الحكم في السودان.

لقد أنقذت الثورات حركات "الإسلام السياسي" من مأزق تاريخي، لتضعها في مأزق آخر، حيث عليها إثبات أن الوصول للسلطة ليس هدفها الأسمى، بل إقامة نظام سياسي جديد يحترم الديمقراطية والتعددية وحقوق المواطنة والتداول السلمي للسلطة. ويتطلب الأمر جهوداً حثيثة للتوفيق بين متطلبات بناء الدولة المدنية وأيديولوجيات أحزاب "الإخوان المسلمين" والسلفيين، وإلا ستتحول تلك الأحزاب من رابح أكبر في الثورات العربية إلى خاسر أكبر على محك السلطة.


 

تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.
 

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.