قضايا

طباعة تعليق

واشنطن وباريس.. حرب بالوكالة ضد تنظيم "القاعدة" في شمال أفريقيا

31/10/2012 14:45

تصدّر عنوان "الوضع في جمهورية مالي وتنظيم القاعدة في شمال المغرب العربي" جدول أعمال الجولة المغاربية الأخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي زارت فيها كلاً من تونس والجزائر والمغرب.

كتب عامر راشد

وحسب مسؤول كبير مرافق للوزيرة كلينتون، هدفت الجولة بالأساس إلى إقناع الدول الثلاث، ومن بينها الجزائر على وجه التحديد، بأن تكون شريكاً رئيسياً في عمل عسكري تدعو له واشنطن وباريس ضد مقاتلي"تنظيم القاعدة" وحركة "أنصار الدين" والانفصاليين الطوارق في شمال مالي.

كلينتون عادت وأكدت شخصياً على أقوال المسؤول المرافق لها، عقب استقبالها من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومباحثاتها مع نظيرها الجزائري مراد مدلسي، وأغدقت في مدح خبرة الرئيس بوتفليقة، متمنية أن تساهم خبرته في حل الأوضاع المعقدة في شمال مالي، والمنطقة ككل لمواجهة "تنظيم القاعدة". إلا أن مصادر رسمية جزائرية كشفت عن استمرار وجود خلافات واسعة بين واشنطن وباريس من جهة، والجزائر في الجهة الأخرى، حيث طلب المسؤولون الجزائريون "التفريق بين الجماعات التي لها مطالب سياسية ويمكن محاورتها، مثل "حركة تحرير إقليم أزواد"، وحركة ''أنصار الدين''، وبين الجماعات التي لها مطالب إرهابية ولا ينفع معها سوى الحل العسكري، مثل جماعة ''التوحيد والجهاد'' التابعة لـ"تنظيم القاعدة". كما طلب المسؤولون الجزائريون وضع تصور لمستقبل الإقليم وسكانه قبل الدخول في عمل عسكري. بينما تصنف واشنطن وباريس حركة "أنصار الدين" وجماعة "التوحيد والجهاد" في خانة التنظيمات الإرهابية، رغم التحالف المعلن بين "حركة تحرير إقليم أزواد" وحركة "أنصار الدين" لمواجهة نفوذ مقاتلي "تنظيم القاعدة" في شمال مالي، التي تشكل ما يقارب ثلثي مساحة البلاد. كما تتكتم واشنطن وباريس عن رؤيتهما لمستقبل جمهورية مالي وإقليمها الشمالي المتمرد.

وإذا كانت الوزيرة كلينتون استطاعت بنتيجة زيارتها للجزائر إقناع الرئيس بوتفليقة بمشاركة خبراء عسكريين جزائريين في التخطيط لعمل عسكري في شمال مالي دون مشاركة الجيش الجزائري في مهام قتالية، وهو ما يمكن اعتباره نجاحاً لواشنطن وحليفتها باريس، إلا أنه نجاح جزئي، فموقف الحياد الإيجابي للجزائر من هذه المسألة سيحد من اندفاع دول "مجموعة التعاون الاقتصادي لدول غرب أفريقيا" (إيكواس) في المشاركة العسكرية، دون شروط وضوابط، بضغط أميركي- فرنسي، لاسيما أن مجلس الأمن الدولي طلب منذ ستة أشهر تفاصيل حول التدخل العسكري المقترح، بما في ذلك الأهداف والقوات والقيادة والحاجات اللوجستية، لكنه لم يتلق أي رد، وعاد وأعطى في الثاني عشر من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري مهلة خمسة وأربعين يوماً لمجموعة (إيكواس) لوضع خطط عسكرية نهائية محددة، بالتنسيق مع "الاتحاد الأفريقي"، لإرسال قوات إلى مالي لمساعد حكومتها على مواجهة المتمردين في الشمال.

واللافت أن المجلس دعا في الوقت نفسه، حكومة مالي والمتمردين إلى "الدخول في أسرع وقت في عملية تفاوضية تتمتع بالصدقية بهدف الوصول إلى حل سياسي قابل للاستمرار يحترم سيادة مالي ووحدتها وسلامة أراضيها"، في إشارة إلى أن بعض الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي تحبذ استنفاذ فرص التسوية السياسية بالحوار بين الحكومة المالية المتمردين، ولن توافق على إصدار قرار يغطي على تدخل عسكري غير مشروط.

وتبدي دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى قلقها من أن يؤدي اللجوء للحسم العسكري، بالطريقة والآلية المقترحة من واشنطن وباريس، إلى مفاعيل عكسية بسبب البنية القبلية والاجتماعية والاثنية والسياسية المعقدة في جمهورية مالي ودول الجوار. وتتفهم تلك الدول، والعديد من القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وجهة النظر الجزائرية في التفريق بين الجماعات المسلحة في شمال مالي. لأن التفريق الجزائري يساعد على فهم التركيبة الاجتماعية لإقليم شمال مالي وخصوصيتها، وعدم الاصطدام معها وتحويلها إلى بؤرة تجذب الجماعات المتطرفة بذريعة مقاومة الوجود الأجنبي، وتهدد الأمن والاستقرار العالميين في منطقة تعاني بلدانها من تحديات سياسية وأمنية. وبالفعل وصل خلال الأسبوعين الماضيين مئات المقاتلين "الجهاديين" من السودان وجنوب الصحراء إلى مدينتي "تمبكتو" و"غاو" شمال مالي للقتال إلى جانب الإسلاميين، في حال دخول قوات أجنبية إلى الإقليم الذي يفرضون سيطرتهم عليه.

وتقارب دول مجموعة (إيكواس) الدعم اللوجستي الأميركي-الفرنسي لأي عمل عسكري من زاوية محذور تحول الوجود العسكري لواشنطن وباريس إلى وجود دائم لفترة طويلة، في منطقة محل أطماع غربية لغناها بالثروات الطبيعية، مثل اليورانيوم والذهب، ولموقعها الجيوستراتيجي. وفي مقاربة كهذه، إن التدخل العسكري الإقليمي والأفريقي سيكون بمثابة حرب أميركية- فرنسية بالوكالة تتحمل تبعاتها ووزر التغطية عليها دول جوار مالي، في خطة أميركية-فرنسية محكمة تهدف إلى أن لا يتكرر فيها نموذج التورط الأميركي- الأطلسي في أفغانستان.

ومن الناحية العملية يشكك الخبراء العسكريون في جدوى وفاعلية تدخل عسكري أفريقي في شمال مالي، مهما كان عدد القوات وحجم ونوعية تسلحيها والدعم اللوجستي الأميركي والفرنسي والدولي الذي سيقدم لها، فهي ستواجه مجموعات مسلحة مدربة جيداً على حرب العصابات، وتتمتع بحرية حركة في منطقة صحراوية شاسعة، وتعطيها معرفتها بالتضاريس أفضلية قتالية سترهق وتستنزف القوات النظامية المشاركة في التدخل العسكري، كما تستطيع أن تنقل المعركة إلى داخل دول جوار مالي.

وتدرك واشنطن وباريس أن الجزائر تمثل العمود الفقري لأي تدخل عسكري أفريقي في شمال مالي، بالإضافة إلى صعوبة تدويل الأزمة عسكرياً وتشكيل قوة عسكرية دولية تؤدي المهمة، إذا فشل جهود إقناع دول مجموعة (إيكواس) بأن تأخذها على عاتقها. مما يقوي الموقف الجزائري الذي يفضل حلاً سياسياً بالتفاوض بين حكومة مالي والمتمردين، لكن خبراء بالشأن الجزائري يؤكدون أن الجزائر تدرك من جانبها أن أقصى ما يمكن تحصيله، في ظل الإجماع على التدخل العسكري وانسداد أفق الحوار بين الحكومة المالية والمتمردين، لا يتعدى تحسين شروط مشاركتها. ولذلك فإن الموقف الجزائري المعبر عنه خلال زيارة الوزيرة كلينتون ليس نهائياً، وربما يتحول النجاح الجزئي الأميركي في تغيير الموقف الجزائري إلى نجاح شبه كامل تقدم فيه واشنطن وباريس تنازلات، تعتبرها الجزائر مقاربة فيها الحد الأدنى المقبول من ضمانات مرحلة ما بعد التدخل العسكري، فالتفريق بين الجماعات في شمال مالي يكفي وحده لقلب مسار وأهداف التدخل من المنظور الأميركي- الفرنسي.

http://anbamoscow.com/thoughts/20121031/377695045.html