‎مقالات واراء

‎تحقيقات

‎كتّاب

‎قضايا

كتّاب

انتهاكات النظام السوري استفزاز للمجتمع الدولي


كتب رائد جبر
بعد مرور أسبوع على اتفاق وقف إطلاق النار في سورية مازالت تتواصل غالبية مظاهر الحملة الأمنية – العسكرية على المدن والقرى. ومع تراجع معدلات القتل من 100 شخص إلى نحو ثلاثين يوميا في الأسبوع الأخير، لكن حملات الدهم والاعتقالات وأعمال قصف الأحياء عن بعد من جانب قوات النظام  مازالت متواصلة في غالبية المناطق السورية.
هدأ القصف على حمص قليلا السبت، وتوقع الأهالي أن المراقبين في الطريق إليها، وما أن اطمأنوا لدخول الموكب الأممي أحياء المدينة حتى خرجوا مطالبين بتدخل عسكري يحميهم.
لكن هدوء حمص أثناء وجود موفدي الأمم المتحدة لم ينقذ حلب التي شهدت سقوط  معظم قتلى السبت، وكان بينهم ثلاثة ماتوا تحت التعذيب بالإضافة إلى أربعة مجندين منشقين وطفلين وسيدة.
وتعرضت درعا لقصف بالهاون والأسلحة الثقيلة وحوصرت بلدة غباغب وقطعت جميع الطرق المؤدية إليها، وفي اللاذقية قال معارضون إن دوي ثلاثة انفجارات قوية متتالية هز حي الرمل الجنوبي.
يتواصل إذا، مسلسل القتل اليومي بوتائر مختلفة في المدن السورية، برغم وجود المراقبين وبرغم صدور قرار مجلس الأمن الجديد الذي أثار ارتياح موسكو، لأنه خلا من التلويح بعقوبات محتملة ضد النظام إذا واصل سياساته خلال مهلة القتل الجديدة، التي تمتد هذه المرة تسعين يوما.
ولا يخفي أنصار الرئيس بشار الأسد داخل سورية وخارجها، مشاعر ارتياح أيضا لأن المهلة برأيهم ستكون كافية لـ"انجاز المهمة" والقضاء على المعارضة.
لكنهم يتجاهلون أن المدى الجغرافي للاحتجاجات السلمية – الشعبية آخذ في الاتساع، وأن عدد الضحايا وإن تقلص لكنه مازال مؤشرا مهما.
يصر القوم على اختصار الحراك في سورية بنشاط الجيش الحر، متجاهلين ببرودة أعصاب يحسدون عليها تحركات المدنيين الواسعة النطاق، الذين يرفعون أيديهم في المظاهرات في شكل لافت ويصفقون خلال مسيراتهم كي يقولوا للعالم: ها هي أيدينا خالية من السلاح!
ومع تطور الموقف السياسي الإقليمي والدولي، بدا أن السوريين الذين يواجهون المدافع والاعتقالات والإعدامات الميدانية بحناجر تؤكد أنهم "سينتصرون ويهزم الأسد" لا يعولون كثيرا على المجتمع الدولي، الذي وقف متفرجا على أحزانهم حتى الآن وبدا منشغلا أكثر بقضايا داخلية لا تبدأ من الأزمات الاقتصادية التي أرهقت أوروبا وهزت ثقتها بنفسها، ولا تنتهي عند الانتخابات المقررة في أكثر من بلد.
لكن تزايد الانتهاكات التي يرتكبها رجال النظام يوميا، بدأ يثير تململا واضحا عند أركان المجتمع الدولي، في شكل يظهر أن موسكو لن تتمكن طويلا مع استمرار مسلسل الدم من تعطيل إرادة مساعدة السوريين.
هذا ما أظهرته اللهجة المتصاعدة عند الإدارة الأميركية مثلا، التي باتت تدرس إجراءات عقابية واسعة تضع أمامها في شكل أكبر خيارات القيام بتحرك دولي لحماية المدنيين، بما في ذلك إقامة مناطق عازلة وتوفير الدعم اللوجيستي والعسكري للمعارضين.
ونقلت مجلة "فورين بوليسي" قبل أيام، أن البيت الأبيض طالب بتزويد الرئيس باراك أوباما بالمزيد من الخيارات  اللازمة "لرحيل الأسد عن السلطة" وبينها تقويم خيار إنشاء مناطق عازلة لحماية المدنيين.
ويبدو أن واشنطن التي تريثت في السابق حيال نيات تركيا إنشاء منطقة عازلة، باتت تدرس هذا الخيار في شكل أكثر جدية، وتبحثه كما قالت وسائل إعلام مع كل من تركيا والأردن وبالتنسيق مع وزارة الدفاع الأميركية. وتتحدث مصادر عن تحول في التفكير الأميركي والجدل داخل الإدارة حول سورية باتجاه المنحى العسكري، وإن لم يكن على شكل تدخل مباشر أو بدور قيادي أميركي.
وكان لافتا تأكيد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وصول الأزمة في سورية إلى "نقطة تحول" وإشارتها ذات الدلالة التي لا تخفى إلى أن سورية تحد دولة في حلف شمال الأطلسي، هي تركيا.
ويبدو أن التحول في المزاج الدولي بدأ يتخذ منحنيات جديدة، مع إصرار النظام السوري على مواصلة انتهاكاته ضد المدنيين، ونقلت جريدة "الحياة" عن مسؤول في البيت الأبيض أخيرا: في حال انهار وقف إطلاق النار المتأرجح، فسنبحث مع شركائنا الدوليين في زيادة الضغوط وإجراءات عقابية عدة من الممكن اتخاذها في مجلس الأمن الدولي. ملوحا بموافقة "شركائنا الدوليين على أن فشل خطة مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان يجب أن تكون له عواقب".
وفي رد مباشر من جانب المسؤول على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي ألقى اللوم على "مجموعات خارجية" تعمل على إفشال خطة أنان، قال المسؤول إن "الغالبية الساحقة للانتهاكات ارتكبها النظام، ونرفض فرضية قيام قوى خارجية بتحجيم وقف إطلاق النار".
تظهر اللهجة الأميركية الجديدة أن صبر المجتمع الدولي بدأ ينفد، وأن التحرك الأممي الحالي هو"الفرصة الأخيرة" للأسد.
وفي مقابل الموقف الأميركي، لا يغيب أن باريس المنشغلة بانتخابات رئاسية ستعود إلى الساحة الدولية بقوة خلال أسابيع، وخلفها تململ أوروبي واضح بسبب تعنت دمشق ومحاولات موسكو عرقلة الجهود الدولية. بينما تبدو تركيا مهيأة لاتخاذ قرارات حاسمة بدورها.
 كل ذلك يبعث رسائل إضافية إلى دمشق، بأن الاعتماد على الحل الأمني – العسكري الذي أثبت فشله حتى الآن، ومواصلة التعامل مع الحراك الشعبي عبر أسطوانة "العصابات الإرهابية المدعومة من قوى الاستكبار" لم يعد مجديا، مهما بلغت درجات الرهان على الخلل القائم في النظام الدولي، وهو خلل مؤقت قادت إليه ظروف دولية وليست إقليمية.
فترة الشهور الثلاثة ومهما كانت مكلفة للشعب السوري، لكنها قد تكون كافية للنظام إذا أراد، كي يستجيب لشق مهم في خطة أنان أيدته موسكو، وهو إطلاق حوار حقيقي بين كل الأطراف بهدف البحث عن سبل سلمية لنقل السلطة وترتيبات المرحلة المقبلة.
لأن البديل هو الخيار الأصعب.
(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)
 


تعليقات الفيسبوك (إخفاء)

الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع تعليقات الفيسبوك على الموقع.
 

تعليقات الموقع (إخفاء)

 
الرجاء أنقر هنا لقراءة شروط وضع التعليقات على الموقع.

موضوع التعليق

يجب ملئ الفراغ*
قم بالتسجيل لحجز اسمك المستعار والاستفادة من خدمات الموقع الأخرى لاحقاً كالانضمام إلى صفحة الأصدقاء وإنشاء مدونتك الخاصة.